حوار أم طلاق استراتيجي؟

لومـــــوند : عبد الحليم قنديل
هل هناك «حوار استراتيجي» فعلا بين القاهرة وواشنطن؟ أم أننا بصدد حوار والسلام، يقضى فيه كل طرف حاجته، ولا بأس ـ بعد جلساته ـ من أحاديث علاقات دبلوماسية عامة، يظهر فيها الخلاف أكثر من الاتفاق.جون كيرى وزير الخارجية الأمريكي بدأ جولته الشرق أوسطية الأخيرة بزيارة القاهرة، وافتتح دورة حوار استراتيجي مع نظيره المصري سامح شكري، وترك عددا من مساعديه لإدارة حوارات تفصيلية في موضوعات بعينها، وبدون أن يعني ذلك عودة إلى مستوى «الحوار الاستراتيجي» نفسه، الذي توقفت جولاته بعد أولاها المنعقدة عام 2009، ومن المخطط أن تنعقد جلسة حوار استراتيجي لاحقة بعد عامين من الآن، يكون كيري وقتها قد خرج من الخدمة مع رئيسه أوباما، بينما يظل النظام الحاكم في القاهرة الآن هو نفسه غالبا بعد العامين، وربما في وضع أكثر قوة، وبما يمكنه من إدارة حرفية أكثر كفاءة لتناقضات تعلو باطراد على التفاهمات مع واشنطن.وقد لا نحب التوقف كثيرا عند تصريحات كيرى العلنية، بعد جلسة الحوار إياه في القاهرة، فقد بدا أكثر تفهما لوجهة نظر النظام المصري في جماعة الإخوان، وقال وزير الخارجية الأمريكي نصا «إن لدى بلاده معلومات بتورط عدد من قيادات تنظيم الإخوان في العنف»، بدا التطور مثيرا، خاصة أن كيري نفسه حرص قبل قدومه للقاهرة على لقاء محمد سلطان ابن القيادي الإخواني السجين صلاح سلطان، وفُهم التصرف كإشارة إلى استمرار واشنطن في التواصل مع الإخوان، وحرصها على إعادة دمجهم في السياسة المصرية، وهو ما أشار له كيري مجددا في القاهرة، وبدون أن يشير صراحة بالاسم إلى جماعة الإخوان، غير أنه حرص على التذكير برأي بلاده، ومفاده أن عددا من قيادات الإخوان انتهج العنف، بينــــما آخرون يحافظــــون على مبدأ السلمية، ما يتوجب معه منح السلميين فرصة في الممارسة السياسية، ولم تلتفت القاهرة الرسمية إلى كلام كيرى كله، وأخذت منه ما يعجبها، وتركت الباقي كدخان يطير في الهواء، وأكدت على رفضها الجازم لمبدأ المشروطية، وبدون أن يعقب كيري، الذي اكتفى من غنيمة القاهرة بالذهاب إلى الخليج، وبهدف ترتيب وتسريع صفقات أسلحة أمريكية جديدة بعشرات مليارات الدولارات.والمعنى ـ ببساطة ـ أن القاهرة 2015 غير القاهرة 2009، وأنه قد يمكن تكرار كلمات وأوصاف من نوع «الحوار الاستراتيجي»، لكن المضامين تغيرت على نحو محسوس، فلم يعد من وجود لما كان يسمى «علاقة خاصة» بين القاهرة وواشنطن، وقد أطاحت القاهرة بوزير خارجيتها السابق نبيل فهمي بسبب زلة لسان في واشنطن، وصف فيها علاقة مصر بأمريكا بأنها مختلفة عن «علاقات الليلة الواحدة»، وأنها أقرب إلى «الزواج الكاثوليكي» الدائم، طارت رأس نبيل فهمى بقرار رئاسي، كان الرجل ـ في ما يبدو ـ حسن النية، وتصور أن مهمته هي تحسين علاقات القاهرة بواشنطن، وإعادتها إلى سابق عهدها زمن المخلوع مبارك وزمن المعزول مرسي، ثم أن ميوله الأمريكية ظاهرة فاقع لونها، وكانت إزاحته عنوانا لطريقة مختلفة في التعامل مع واشنطن، فلم تبال القاهرة أبدا بقرار أوباما تجميد المعونة العسكرية في سبتمبر 2013، عقب إطاحة مرسي والفض العنيف الدامي لاعتصام «رابعة»، واكتفى الرئيس المصري بعدها بعبارة دالة، وهي أن «مصر لن تنسى أن أمريكا أدارت ظهرها للشعب المصري»، ولم يكن الكلام مجرد عتب، بل انطوى على خطة تغيير درايى متدرج في السياسة المصرية، تطورت فيه علاقة تكامل وظيفي بين فوائض القوة العسكرية المصرية وفوائض المال الخليجي، ثم جرى بالتوازي اختراق غير مسبوق لعقود مضت في سياسة مصر الدولية، أقامت عبره جسور تعاون استراتيجي شامل مع موسكو وبكين، وبدا التحول «استراتيجيا» حقا، ومدركا لطبيعة التغيرات الجارية على القمة الدولية في السلاح والاقتصاد، التي نزعت عن أمريكا صفة «القطب الوحيد»، أو«القوة العظمى» بألف ولام التعريف، فلم تعد أمريكا كذلك، وإنما صارت «قوة عظمى» بين قوى عظمى متكاثرة على الساحة الدولية، وهكذا طورت مصر بسرعة علاقات «استراتيجية» متعددة الأطراف، وزادت على التوجه إلى موسكو وبكين اختراقا ملموسا لدول الاتحاد الأوروبي، وأقامت صلات وثيقة بدول الجنوب الأوروبي في اليونان وإسبانيا وإيطاليا، ثم زحفت إلى القلب الأوروبي، وأقامت علاقة سلاح متطورة مع فرنسا، ثم علاقة اقتصاد قوية مع ألمانيا، ووجهت بريطانيا دعوة مفتوحة إلى الرئيس المصري لزيارة لندن، وعقدت صفقات سلاح وقطع غيار مع القاهرة، أضيفت إلى صفقات سلاح كبرى مع فرنسا وروسيا، قفزت بقوة الجيش المصري وترتيبه العالمي خطوات إلى الأمام، وفتحت آفاقا غير مسبوقة لتطوير صناعة السلاح في مصر نفسها، وجرى كل ذلك في تخطيط مدروس لكسر أنف واشنطن، وهو ما جعل أوباما يحرص على لقاء الرئيس المصري بعد 14 شهرا من فرض واشنطن لحظر السلاح، ثم جعل الكونغرس يبتلع انتقاداته للوضع المصري الداخلي، ويقرر الموافقة ـ بلا شروط ـ على إتاحة المعونة العسكرية المقررة لمصر، البالغة قيمتها سنويا 1300 مليون دولار، وهكذا عادت طائرات «الأباتشي» المحتجزة إلى مصر، وجاءت إليها طوابير الدبابات الأمريكية وطائرات «إف ـ 16»، فقد أدركت واشنطن أن وضع النظام المصري يزداد قوة في الداخل، ويتزايد دوره في المحيط العربي الساخن، وأنها قد تفقد ما تبقى من علاقاتها بالقاهرة والجيش المصري إن استمرت في العناد والضغط غير المجدي، خاصة بعد أن أثبتت القاهرة مقدرتها في الاستغناء عن السلاح الأمريكي، وإحلال تسليح صاروخي غاية في التطور من روسيا بالذات، ولم تكن إسرائيل ـ للمفارقة ـ بعيدة عن دفع أمريكا للتراجع، ليس حبا في سواد عيون مصر، وليس عن رغبة في مغازلة القاهرة، ولا كسبا لمودتها، بل توقيا لغضب السياسة المصرية باتجاهاتها الراديكالية المتزايدة الأثر، وكسب القاهرة الفعلي في سيناء، بإعادة نشر قوات الجيش المصري حتى الحدود الدولية، والإلغاء العملي لمناطق نزع السلاح التي كانت مفروضة بمقتضى الملاحق الأمنية لما يسمى معاهدة السلام، وهو ما خلق واقعا مختلفا، تبدو فيه يد القاهرة هي الأعلى، وتخشى معه إسرائيل أن يتدهور الموقف أكثر، وأن يأتى تدهور العلاقات المصرية ـ الأمريكية على حساب إسرائيل، فمصر واحدة من عديد الدول المحورية التي تهتم بها واشنطن على خرائط عملها الكوني، بينما مصر هي أهم وأخطر دولة في العالم بالنسبة لإسرائيل، وهو ما يفسر حرص تل أبيب على دفع واشنطن للتراجع، وعلى بعث دفء اصطناعي محسوس في علاقات واشنطن الباردة مع القاهرة، والعودة إلى عقد دورات ما يسمى «الحوار الاستراتيجي» في وضع أقرب إلى النزاع الاستراتيجي.ولا تبدو القاهرة الرسمية في عجلة من أمرها، فرياح المنطقة الجديدة تمضي إلى شراعها، وهي تريد استعادة دورها القيادي العربي في تؤدة وحذر، ولا مانع عندها من قبول معونة عسكرية أمريكية ما دامت بغير شروط، وما دامت لا تؤثر على الرغبة المصرية الجارفة في تطوير تسليح الجيش، وإنهاء الاعتماد الحصري على التسليح الأمريكي، الذي حرص على تقييد قوة الجيش المصري، وإعطائه طرازات من الأسلحة لا تكفل له مجاراة التفوق الإسرائيلي، وقد انتهت هذه السيرة تماما، وفرضت مصر شروطها بتنويع مصادر سلاحها وعلاقاتها الاستراتيجية. وكان لافتا أن القاهرة واصلت التحدي في فترة العناد مع واشنطن، إلى حد إقامة عشاء رسمي للرئيس الروسي بوتين في المطعم الدوار أعلى برج القاهرة، ولم تكن الإشارة خافية، فقد قرر عبد الناصر بناء برج القاهرة كشاهد أبدي على خيبة المخابرات الأمريكية، التي حاولت رشوته بملايين أخذها عبد الناصر، وبنى بها البرج الشهير، لتذكير الأمريكيين دائما بخيبتهم الثقيلة، وكان البرج من شواهد سياسة الاستقلال الوطني مع تأميم قناة السويس، وهي السياسة نفسها التي تستوحيها القاهرة الآن، وتتقلص معها عناصر التبعية لواشنطن الموروثة عن أيام السادات ومبارك ومرسي، وواشنطن تعرف ما يجري بالضبط، ويذوي عندها الأمل في استعادة علاقات استراتيجية تتكافأ مع ما تسميه بالحوار الاستراتيجي، لكنها ـ أي واشنطن ـ تريد كسب الوقت بالتهدئة، وترك المهمة مع القاهرة لإدارة جديدة تخلف إدارة أوباما، مع مواصلة الضغط على القاهرة بأساليب أخرى، بينها الانفتاح على جماعة الإخوان كجماعة مناهضة للنظام المصري، والضغط على الحلفاء الخليجيين لتقييد انفتاحهم على مصر، فضلا عن أعمال المخابرات القذرة في الظل، التي قد تصل إلى حد تدبير اغتيالات كبرى، وهو ما تفهمه القاهرة بدورها، وتتصرف فعليا على أساسه، وفي سياق أقرب إلى الطلاق السياسي منه إلى الحوار الاستراتيجي.



حوار أم طلاق استراتيجي؟ بواسطة journal lemonde في 1:37 ص التقييم: 5
انشر ايضا على

عبر عن رأيك