إلياذة الريف وانفلونزا الفساد

لومــــوند : محمد وزين

أبدى المرابطون في مناطق الريف شمال المغرب قدرات هائلة من الثبات والصمود والمثابرة السلمية ،للتذكير والتحذير بأن الحاضرَ الخرائبي فاقدٌ لشرعية الاستمرار، في مقابل صورة غذ آمن باتت تتشكل ببطء وثبات وثقة مع تراكم الوعي والقهر لهذا المجتمع المتمرد على تباريح العبودية المُشَرعَنة إلى عصر العقل الحر والكبرياء ،لتحقيق مطالب أدمية حاول النظام الحاكم في البلاد على امتداد سنوات حكمه تغييبها،تحت وطأة ظهيره المشؤوم وتقديم هؤلاء القوم كشريحة بربرية مهووسة بالصراع الاثني وحلم الانفصال ،فاحيا تهيؤاته في المخيال الشعبي الأسير طوعا وسفالة لعُصاب النظام ونزواته المدمرة للذات وللشخصية المغربية، مشدودا من حيث لايعلم للاندفاع نحو مزالق الصراع ،من عنف وإقصاء تسببت في إحداث هزة عنيفة في دائرة صنع القرار الضيقة أدخلتها في حالة التيه، ليهش النظام على البيسون للتأليب على اولي العزم ممن اتهم شموخهم بتهويمات مفاهيمية لطالما اجترها حد العطب ،كالانقلاب والتآمر والانفصال والعمالة للخارج غير مدرك مخاطر لعبته البغيضة وما ستفرزه من شرخ في النسيج المجتمعي المغربي المسحوق والمهمش ، المدافع بالخدر عن فكرة آسرة إسمها الوطن الذي يحضن البعض ويركل البقية ورغم ذلك فهو يجري مجرى الدم ، ولا يمكن اختزاله في علم ازدرته اكتاف البغايا ، اما الملك عسى حبه يسكن القلب ان فهم هو لغة القلوب فهل كان ترفا لعق صوره الغريبة بألسنة تغزوها فطريات النفاق ؟ وهل كان تصدعا في صرح جبروته لو استمع لما صدحت به حناجر اهل الريف من مطالب مشروعة ؟ أم كان ذلا لوقاره الطاغي لو اقتلزَ قدح  الجلية ان القطيعة النفسية مع نظامه اكتملت ،بعدما انتهك بل خانَ العقد الاجتماعي المبرم مع المجتمع ،حد التفريط بكرامة المواطنين وأمنهم وسيادتهم وسلامتهم وثرواتهم ومستقبلهم دون أي مؤشر على شعور بذنب أو محاولة لإصلاح. لكن عوض ذلك سعى لتحقيق مكاسب سياسية لحسابه الخاص ،مستقويا بهيمنته المطلقة على السلطة وطغمتها الفاسدة وامتلاكه أدوات القمع الامني والعسكري ودعم الاطراف الخارجية ،عن طريق الترويج له كنظام ديمقراطي عربي أوحد لم يكن له كفؤا احد. ولتحقيق أهدافه أصبح الجاني منقذا للوطن من فتنة اطفأها الله منذ سنين ،مسخرا شرعية العنف التي يمتلكها ، فاتحا على نفسه بابا واسعا من الاحتجاجات الشعبية لم يكن يتوقعها حتى في أسوأ كوابيسه ،وهنا تبرز تساؤلات عن حقيقة الفعل الديمقراطي المشوه في المغرب الذي مكن نظاما لايعترف الا بالبندقية والانكال ،من اعادة إنتاج الاستبداد باحتكاره السلطة والثروة وإضعاف كل القوى المجتمعية ، ثم بغيه على الدين بعد ان شق بطنه بسيف الافتراء ،فاخرج منه مسخا سماه امارة المؤمنين ،فاي امارة هاته التي تفتح ساقيها لحجاج الفساد القادمين من كل فج كريه ؟ وأي ديمقراطية هاته التي مكنت الصحبة والقرابة من السطو على المؤسسات الايرادية والاستثمارية وحصنت مواقع قوى الفساد المستشري في مفاصل الدولة بمسافات متفاوتة من الزمن ؟ فتكوم الوطن تحت أقدامهم ككتلة لحم زهيدة ،يبكي شرفا ضاع ودما تفرق بين الحرافيش، واي دور للكارتيلات الحزبية البالية والطارئة سوى مسح شحم الوطن حول افواهها القذرة ،وهي الاشد ولاءا لمن منحها نقمة هتك عرض الوطن ،فلا ترفع عقيرتها الا بحمده وتتبازج بطلعته ( الخدامة دايما تتعنى بنهود لالاها) .نحن هنا إزاء نظام عائلي استبدادي قمعي مغلق البنية ، وكأنه هو سبب وجود المجتمع لا العكس ،يملك الأرض وما فيها من ثروات وأرواح شريرة ومعتقلات ،لايؤمن بالآخر الا بوصفه صورة مشوهه منه، ويرفض التعايش مع فكرة التحول الديمقراطي إن كانت ستفضي الى بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي. فما جاء به من إدعاءات كونه ديمقراطي كذب وصلافة ،لامتلاكه رصيدا ضخما من الانقلاب على تعاقداته الدستورية ،ولجوئه المستمر الى خيار المحق ضد كل الاطراف التي يعتقد انها تمثل خطرا حقيقيا على وجوده .يصعب على أي نظام متصدع مثقل بالشروخ ،هيمن على كل مفاتيح السيطرة على البلاد، أن يستسيغ تحول رعيته من قدرية تجرع الإذلال والألم الدائم، إلى خيار التمرد السلمي المُسَلم أن رفض الاقصاء والفساد والتهميش لا بد أن يرتبط باستعادة الوطن وهويته الجامعة ،عبر إصلاح السلطة ومؤسسات الدولة لا اسقاطها .ولانه غير عقلاني لجأ الى البطش والمكيدة في مواجهة حراك الريف ومن حدا حدوه، وقام باخراج كل حيله السياسية والامنية دفعة واحدة في محاولة منه لخنقه، فخسر الكثير من رمزيته وسقط المزيد من اقنعته في جولة عنف مجاني أجاد تقديمها لابناء شعبه الذين كانوا المصطبة الخفية التي صعد فوقها المستبد ليعلن انتصاراته طوال فترة حكمه ،لكن هذه المرة لن ينجح في إخراس الاصوات المتعطشة للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية،مهما تصاعدت حشرجاتُ التخوين وقست رفساتُ اكواره اليائس ،لان زمن التغيير قد اندفع بعمق داخل أحشاء العقل الجمعي الذي شخص تفاصيل الخراب السياسي الحالي.نحن اليوم امام النهايات المفتوحة للصراع المحتدم في الريف بين واقع يأفل وأخر يبزغ بتؤدة ، فالحكمة تقتضي الجنوح للمهادنة والحوار الجاد، بوساطة الحفنة الباقية من شرفاء الوطن ،وأن يتبنى النظام خياراً أخلاقياً صارماً مضاداً لأخلاقه المتصدعة ،وهو الكفيل بحلحلة الازمة بدءا باطلاق سراح المعتقلين والغاء مظاهر العسكرة والقبول برزنامة الاصلاح دون مكابرة او تلكؤ ، والتعاطي الحصيف مع انتقال العدوى الحميدة الى باقي الربوع التي تعيش على الاجلاف ،واليقين بان هذا الحراك منتجٌ للأمل ومنظّر له في آن معاً ، وإصراره نوعي ، يدفع إلى اقبار جثة المشهد العام القابع في رغام المهانة وكنس وجوهه الكالحة وانتاج مشهد منقذ،ينبثق من الزامية إعادة توزيع الثروة والكرامة اللذان توقف نبضهما في المغرب ،وهما السبيل لإنقاذ المصير الوجودي لهذا الكيان السياسي والتاريخي والنفسي الذي يسرق على مدار الساعة مالياً واعتبارياً وحضارياً،من لصوص الدين والسياسة والمال.لاشك ان الحراك رغم الاعتقالات وحملات الترويع والتنكيل فهو يتحاشى لا شعورياً التشبه بسلوك النظام الفج ، متمسك دون يأس أو نكوص بدينامية المثابرة والنَفَس الطويل ، سلمي بلا حدود، لكنه جذري وغير مهادن في الوقت نفسه حيال بغي نظام مرتعش ،شاخ وفقد السرعة التي تقطعها الساحات وبات غير قادر على اقتلاف الحراك وانتقاله السريع من طور إلى طور. نتمنى ان يملأ الساحات الوعي عوض أحقاف الغضب والهراوات و الأرتال وغبس الغازات والعيارات المطاطية ،وألا يختار النظام الانتحار باصرار عجيب فيستعجل الحسم الاخير وهو ما سيفضي الى عنف وعنف مضاد ،فلا يسمح بالانسحاب من الساحات الا للجثث الهامدة، فيسقط قتلى وجرحى ملء الارض ،فيسقط معهم وهمه الصلب فالبيادق والارتال وترهات الهيبة لا يشد بهم العضد ،فلا حصانة لأحد في زمن الاجتثاث ،بعدما تسمو سيكولوجياً وقشة المطالب الاحتجاجية من إصلاح النظام الى قلع عداده .
إلياذة الريف وانفلونزا الفساد بواسطة journal lemonde في 8:00 م التقييم: 5
انشر ايضا على

عبر عن رأيك